Skip links

اختيار وسيلة تسوية المنازعات التجارية في السعودية: قرار استراتيجي لا إجرائي:

اختيار وسيلة تسوية المنازعات التجارية ليس مجرد خطوةٍ إجرائية، بل قرارٌ استراتيجي يؤثر في استدامة العلاقات التعاقدية والثقة بين الأطراف.
وفي بيئة الأعمال السعودية الحديثة، تتعدد الوسائل بين التقاضي أمام المحاكم التجارية والتحكيم المؤسسي عبر مركز التحكيم التجاري السعودي (SCCA).
يعتمد الخيار الأنسب على عوامل متعددة مثل: طبيعة العقد، السرية المطلوبة، موقع الأطراف، مكان التنفيذ، وتكلفة الإجراءات.

أولًا: متى يكون التقاضي أمام المحاكم التجارية هو الخيار الأنسب؟

1. السلطة القضائية والإلزام القانوني:

تملك المحاكم التجارية السعودية صلاحياتٍ واسعة لإصدار الأوامر الوقتية والإجراءات التحفظية، مثل تجميد الحسابات أو حظر التصرف في الأصول، متى وُجد خطر يهدد الحق محل النزاع.
هذه الصلاحيات لا تتوافر دائمًا في التحكيم، مما يجعل القضاء خيارًا مناسبًا في القضايا التي تتطلب إجراءات تنفيذية عاجلة أو إلزامية.

2. العلنية المنظمة:

الأصل في الجلسات القضائية أنها علنية تحقيقًا لمبدأ الشفافية،
لكن اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية أتاحت سرية الجلسات أو المستندات عند الضرورة، حمايةً للمصالح التجارية أو الأسرار المهنية.
وهذه الموازنة تجعل التقاضي خيارًا مثاليًّا في القضايا التي تتطلب توثيقًا علنيًّا أو حجية عامة للأحكام.

3. الملاءمة في القضايا النظامية:

يفضل اللجوء إلى القضاء في النزاعات التي ترتبط بـ:

  • العقود الحكومية والمشتريات العامة.
  • المخالفات التنظيمية أو الترخيصية.
  • القضايا التي تتطلب إنشاء سوابق قضائية منشورة.

4. إمكانية المراجعة والطعن:

يُتيح التقاضي إمكانية الاستئناف والتمييز، مما يمنح الأطراف فرصة لتصحيح الأخطاء النظامية.
وهذه الميزة ذات أهمية خاصة في القضايا المعقدة أو ذات الأثر المالي الكبير.

نصيحة عملية:
إذا كان العقد يتعامل مع جهة حكومية أو له أثر نظامي عام، مثل عقود الطاقة أو الامتياز، فالتقاضي أمام المحاكم التجارية السعودية هو الخيار الأنسب.

ثانيًا: متى يكون التحكيم التجاري المؤسسي هو الخيار الأفضل؟

1. السرية والمرونة:

يتيح التحكيم التجاري السعودي سرية شبه تامة في الجلسات والمداولات والمستندات (المادة 39 من نظام التحكيم).
وتتيح قواعد SCCA للأطراف تحديد:

  • لغة التحكيم (العربية أو الإنجليزية).
  • مقر الجلسات (الرياض أو أي مدينة داخل المملكة).
  • عدد المحكّمين وخبراتهم التخصصية.

هذه المرونة تمنح الشركات حرية تصميم آلية تسوية تناسب نشاطها دون القيود الشكلية للقضاء العام.

2. الخبرة التخصصية:

يتميز التحكيم بإمكانية اختيار محكّمين ذوي خبرةٍ قطاعية متخصصة، مثل المقاولات أو الطاقة أو التقنية المالية، مما يسهم في سرعة الحسم ودقة القرار.

3. القابلية الدولية للتنفيذ:

تتمتع أحكام التحكيم في المملكة بقابلية تنفيذ دولي بفضل انضمام السعودية إلى اتفاقية نيويورك لعام 1958م، التي تتيح تنفيذ الأحكام في أكثر من (170) دولة.
أما داخل المملكة، فيُنفَّذ الحكم بأمرٍ من محكمة الاستئناف التجارية.

4. النهائية وسرعة الحسم:

يُعتبر حكم التحكيم نهائيًّا وملزمًا، ولا يقبل الطعن إلا بدعوى بطلان محدودة الأسباب خلال (60) يومًا.
ولا تنظر المحكمة في موضوع النزاع ذاته، وإنما في مدى الالتزام بالإجراءات النظامية.

نص نظامي:
تنص المادة (50) من نظام التحكيم على أن:
“لا يجوز إعادة نظر موضوع النزاع عند نظر دعوى البطلان.”

5. التحكيم الإلكتروني والمعجل:

يوفر مركز التحكيم التجاري السعودي (SCCA) منذ عام 2023م:

  • تحكيمًا إلكترونيًّا كاملًا عبر منصة رقمية آمنة.
  • تحكيمًا معجلًا يُحسم خلال (90) يومًا إذا كانت قيمة النزاع لا تتجاوز (4) ملايين ريال.

هذه الآلية مثالية للشركات الصغيرة والمتوسطة من حيث الوقت والتكلفة والسرية.

ثالثًا: أهمية صياغة بند تسوية المنازعات في العقود التجارية:

وجود بند واضح لتسوية المنازعات في العقد يُعد وسيلة أساسية لتقليل احتمالات الخلاف،
يُستحسن أن يتضمن البند العناصر التالية:

  • تحديد وسيلة التسوية: هل يُلجأ إلى المحكمة التجارية أم إلى التحكيم المؤسسي؟
  • بيان الجهة المختصة: مثل مركز التحكيم التجاري السعودي (SCCA) أو المحكمة التجارية المحددة بالموقع.
  • القانون الحاكم واللغة: النص على أن النظام السعودي هو المرجع، وتحديد اللغة المعتمدة للإجراءات.
  • آلية التنفيذ: النص على أن الحكم قابل للتنفيذ وفق نظام التنفيذ السعودي بعد صدوره.

نماذج عملية مقترحة:

بند التحكيم (وفق قواعد SCCA 2023):

“أي نزاع أو خلاف أو مطالبة تنشأ عن هذا العقد أو تتعلق به، يُحال إلى التحكيم وفقًا لقواعد مركز التحكيم التجاري السعودي (SCCA)، ويكون مقر التحكيم في مدينة الرياض، وتكون اللغة العربية هي المعتمدة، ويُطبَّق النظام السعودي.”

بند التقاضي:

“تخضع جميع المنازعات الناشئة عن هذا العقد لاختصاص المحكمة التجارية المختصة بمدينة الرياض، وتُطبَّق أحكام النظام السعودي.”

بند التحكيم الهجين (Hybrid):

“يُحال النزاع إلى التحكيم وفق قواعد مركز التحكيم التجاري السعودي (SCCA)، على أن تظل للمحاكم التجارية صلاحية النظر في الطلبات الوقتية أو التنفيذية عند الحاجة.”

رابعًا: توصيات عملية للشركات:

  • حدد وسيلة التسوية قبل وقوع النزاع لتفادي تضارب الاختصاص.
  • استخدم نماذج SCCA الرسمية أو استعن بمحامٍ مختص عند الصياغة.
  • راعِ مكان تنفيذ الحكم، خصوصًا إن كانت أصول الطرف الآخر خارج المملكة.
  • استخدم التحكيم الإلكتروني أو المعجل في العقود الصغيرة أو المتكررة.
  • تجنب العبارات العامة مثل “يتم حل النزاع وديًّا” دون تحديد الجهة المختصة.

خامسًا: خلاصة تنفيذية:

اختيار وسيلة تسوية النزاع في العقود التجارية قرارٌ استراتيجي لإدارة المخاطر القانونية.
إذا كانت الأولوية للخصوصية والسرعة والتنفيذ الدولي، فالتحكيم المؤسسي هو الأنسب.
أما إذا كانت الحاجة إلى إجراءات إلزامية ومرنة في الطعن، فالتقاضي أمام المحاكم التجارية هو الخيار الأفضل.

مبدأ عملي:

لا تؤجّل تحديد آلية تسوية النزاع إلى ما بعد وقوع الخلاف؛ اخترها مبكرًا، وصُغها بدقة، وحدّد آلية التنفيذ بوضوح لضمان سرعة الإجراء عند الحاجة.